ابن أبي شريف المقدسي

165

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

فإن قيل : ليس تخصيص العذاب في الآية بعذاب الدنيا خلاف مقتضى الإطلاق بلا موجب ( بل ) هو خلاف له ( بموجب ) أي : بسبب موجب ( عقلي وهو أن أول الواجبات كالنظر ) المؤدي إلى الإيمان بوجود الباري تعالى ووحدانيته ( لو لم يكن عقليا لزم إفحام الأنبياء ) كما سيأتي بيانه ، ( وإذا وجب ) النظر المؤدي إلى الإيمان ( عقلا ) وإن لم يرد الشرع ( وجب الإيمان عقلا ؛ لأن العلم بوجوبه لازم للنظر الصحيح ) المؤدي إليه الذي هو أول واجب ، ويلزم من وجود الملزوم وجود اللازم . أما الملازمة الثانية فلأن وجوب الوسيلة عقلا من حيث هي وسيلة يقتضي وجوب المقصود كذلك ، ( وأما الملازمة ) الأولى ( فلأنه لو لم يجب ) النظر ( إلا بالشرع ، فقال المكلف : ) للنبي إذا دعاه إلى النظر في معجزته ليعلم صدقه ( لا يجب عليّ النظر بالعقل ، و ) أما ( الشرع ) فإنه ( لا يثبت في حقي إلا بالنظر ) المؤدي إلى علمي بثبوته ( و ) أنا ( لا أنظر ) لأعلم ثبوت الشرع في حقي ( لزم إفحامهم ) أي : الأنبياء . ( قلنا : هذا ) القول المفروض صدوره من المكلف لنبيه ساقط عن الاعتبار ، إذ ليس مثله مما يصدر عن عاقل ، فلا يكون عذرا لقائله في ترك النظر ، فإنه ( كقول قائل لواقف : ) بمكان قصد إرشاده إلى النجاة ( وراءك سبع ) ضار ( فإن لم تنزعج عن مكانك قتلك ، وإن نظرت وراءك عرفت صدق قولي ، فيقول ) له ذلك ( الواقف : لا يثبت صدقك ما لم ألتفت و ) أنظر ، و ( لا ألتفت ولا أنظر ما لم يثبت صدقك ، فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه ) أي : نصبه نفسه هدفا ( للهلاك ، ولا ضرر فيه على المرشد ، فكذلك النبي يقول : ) لمن بعث إليهم ما معناه ( وراءكم الموت ودونه النيران ) المهولة ( إن لم تصدقوني بالالتفات ) أي : بسبب الالتفات ( إلى معجزاتي ، ) فإن إعراضكم عن قبول ما جئت به أو تكذيبكم إياي موجب للهلاك الأبدي وهو الخلود في العذاب الأليم ، ( فمن التفت ) منكم بأن نظر في معجزاتي ( عرف صدقي ، ومن لا ) أي : ومن لم يلتفت بالنظر فيها ( هلك ، فالشرع يحذر عن ) عذاب ( النار ، والعقل يفيد فهم الخطاب ، فيجوّز ) أعني العقل صدق ( ما يقول ) النبي قبل النظر في المعجزة ، ( والطبع يستحث على الحذر من الضرر ) وذلك يحمل العاقل على النظر لا محالة ، فيمتنع تخلف النظر في عادة العقلاء ، فيكون مجرد تجويز العقل ما يقول النبي مع استحثاث الطبع على الحذر من الضرر ملزوما عقليا ، أي : يحكم العقل بأنه ملزوم للنظر فلا